يجلس محمد حسن الآن على كرسي من البلاستيك منحني الظهر أمام منزله وبجانبه عكازان وتعلو وجهه النحيل نظرة انعزال. فقد شوه الانفجار رجله اليسرى على نحو خطير. ونادرا ما يجيب على استفسارات الناس, إذ يترك أسرته تشرح للزائر حول فنجان قهوة وفاكهة المندرين البلاء الذي أصاب قرية رشكنانية التي تحتل مكانا جميلا على جبال جنوب لبنان وسط بساتين الزيتون وحقول التبغ.
©ICRC
والد محمد يشير إلى واحدة من الأشجار العديدة التي يمكن أن يوجد فيها قنابل صغيرة
تهديد دائم
ويذكر فاضل حسن وهو والد محمد قائلا:"مكثنا في القرية طوال فترة الحرب تقريبا هذا الصيف". ويستطرد قائلا:"بعد وقف إطلاق النار, جاء الجيش لإزالة العديد من القنابل لكن ليس كلها على ما يبدو. لهذا تعرض محمد لتلك الحادثة. فلا يزال هناك العديد منها في كل مكان".
وقد أسفر النزاع الذي دارت رحاه لمدة 34 يوما في لبنان عن تلويث أجزاء شاسعة من الجزء الجنوبي من البلد جراء القنابل العنقودية. ذلك أن القنبلة العنقودية تنفجر إلى قنابل صغيرة- تصل إلى 644 قنبلة- تنتشر بالقرب من سطح الأرض. وبحسب نوع الذخيرة المستخدمة, لا ينفجر مابين 15 و40 في المائة منها. والعديد منها يبقى معلقا على الأشجار بواسطة شريطها الأصفر مختفيا بين العنب والزيتون والبرتقال.
تلوث لم يسبق له مثيل
يعلن "فيليب شبوري", مدير القانون الدولي باللجنة الدولية قائلا: " لعلّ هذا المستوى من التلوث الناجم عن الذخائر العنقودية الصغيرة لم يسبق له مثيل". كما يشدد "سبوري" على أن هذا السلاح الذي استخدم لقرابة 40 سنة " كان له اثر وخيم وغير متناسب على السكان المدنيين".
وقد سبق وأن أدى هذا الإرث الفتاك في لبنان إلى مصرع 18مدنيا على الأقل و إصابة 136 شخصا منذ وقف الأعمال العدائية في 14 أغسطس/ آب 2006. وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 2006, ناشدت اللجنة الدولية الدول وضع حد لاستخدام الذخائر العنقودية التي تفتقر إلى الدقة والموثوقية, وحظر استخدامها في المناطق الآهلة بالسكان. وتأخذ المنظمة بزمام مبادرة لتنظيم استخدام الذخائر العنقودية تنظيما واضحا بموجب القانون الدولي الإنساني.
ونظرا إلى جسامة المشكلة- تم تحديد أكثر من 800 موقع ملوث- انصب اهتمام القائمين على إزالة الألغام في جنوب لبنان على المدارس والمنازل والشوارع, تاركين المناطق الزراعية لمرة أخرى. ونتيجة لذلك, ظل المزارعون دون دخل.
©ICRC
لا يزال حوالي 15 إلى 40 في المائة من القنابل العنقودية التي لم تنفجر بعد متناثرة في الريف خلف بيت حسن
يقول والد محمد: "ليس بوسعي أن أحصد أي محصول لم تأت عليه ألسنة النيران خلال الحرب. والقليل من المال الذي ادخرته أدفع به علاج محمد إذ علينا أن نستأجر سيارة تقله يوميا لكي يتلقى علاجه الطبيعي ولا أدري كيف سأتمكن من أداء ثمن العملية الجراحية الثانية التي سوف تجرى له. ويعتزم الأطباء في غضون 18 شهرا إزالة القضبان المعدنية التي تسمح بتماسك ساق الشاب, وآنذاك سيعرف ما إذا كان بمقدوره المشي والعمل من جديد."
يطلب الزائر الإذن لكي يلتقط صورة. وتجيب الأسرة بصوت واحد قائلة: " بالطبع". لكن لأول مرة, ينتصب محمد ويحرك رأسه بحزم مشيرا إلى أنه غير موافق. فهو لا يرغب في أن يتفرج العالم بأسره على أحلامه المحطمة.