وأخيراً تعلو الابتسامة وجه أبي هادي لأنه يستطيع الصعود إلى الحافلة التي ستقله إلى بيته في غزة. فهذا الرجل البالغ من العمر 72 عاماً الذي جاء إلى مصر لإجراء استشارة طبية في مايو/أيار الماضي أمضى ثمانية أسابيع مع أقربائه في مدينة رفح على الحدود المصرية في انتظار فتح المعبر.
يقول أبو هادي ووجهه يتصبب عرقاً مع كل خطوة يخطوها داخل الحافلة: "أنتظر بفارغ الصبر العودة... لقد سررت لرؤية أفراد عائلتي, لكن البقاء معهم لمدة شهرين جعلني أشعر بأنني عبء عليهم. لم أكن أنوي البقاء, فقد كنت انتظر حتى قيل لي إنهم سيسمحون لنا أخيراً بالعودة إلى ديارنا... لك الحمد والشكر يا لله. لقد كنت محظوظا, لكن كثيرين آخرين لم يكن بمقدورهم البقاء مع الأهل أو الأصدقاء, إنهم يعيشون في ظروف قاسية, بل إن كثيرين منهم اضطروا إلى بيع كل ما يملكون لشراء ما يسدون به رمقهم لأن أموالهم نفدت..."
وقد وجد أبو هادي, شأنها شأن العديد من الفلسطينيين الآخرين الذين غادروا غزة في أوائل الصيف, نفسه فجأة محاصراً عندما أغلق معبر رفح بعد القتال المسلح الداخلي الذي دارت رحاه داخل قطاع غزة في يونيو/حزيران. وكان بعض هؤلاء الفلسطينيين من المرضى الذين جاؤوا للعلاج, وبعضهم عمالا يعودون من الخارج, وبعضهم طلابا, وبعضهم من التجار الصغار, وآخرون مجرد مصطافين.
ولم يكن هناك شيء يمكن القيام به سوى الانتظار والتوجه إلى الله بالدعاء.
وتفيد وسائل الإعلام أن قرابة 5000 إلى 6000 فلسطيني عالقون في شمال سيناء بالقرب من حدود غزة. وقال مندوب اللجنة الدولية زياد أبو لبن لدى عودته إلى القاهرة بعد بعثة مشتركة بين اللجنة الدولية والهلال الأحمر المصري إلى الحدود في نهاية يونيو/حزيران المنصرم: "معظم الأشخاص المحاصرين إما يسكنون في الفنادق أو مع أقاربهم. إنهم ينفقون كل ما لديهم من أموال لاستئجار غرفة, ويعولون على كرم أسرهم وسخائها أو على السكان المحلين المصريين الذين فتحوا منازلهم لاستقبال هؤلاء الأشقاء تضامناً معهم في محنتهم".
وحينما أجريت تلك البعثة لم يكن بالإمكان إيجاد مجموعات كبيرة من الفلسطينيين في الخارج ولا رؤية أية مخيمات, بل مجرد جماعات صغيرة من الناس في المساجد والمدارس. لكن الوضع تفاقم خلال الأسابيع التالية, ومعظم الذين وجدوا أنفسهم محاصرين في مدينتي رفح والعريش المصريتين أصبحوا أكثر ضعفاً بسبب تضاؤل مدخراتهم بسرعة. وهذا ما اضطر مئات الأشخاص المعوزين لإقامة مخيمات مؤقتة حول المدارس ومراكز الشباب, معتمدين على المساعدات الخارجية من أجل البقاء على قيد الحياة, بما في ذلك المساعدات التي تقدمها السلطات المحلية والجمعيات الخيرية.
وبعد ذلك باشر الهلال الأحمر المصري عملية استجابة إنسانية واسعة النطاق, بدعم من اللجنة الدولية والاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر, إذ تم إعداد ألالاف الطرود الغذائية والطرود الخاصة بمستلزمات النظافة وتوزيعها على الأشخاص. ويسرت السلطات المحلية المصرية في مدينة العريش هذا العمل من خلال إنشاء نقاط التوزيع.
وفي نهاية يوليه/تموز تم التوصل إلى حل سياسي وتمكن أخيرا مئات الفلسطينيين يومياً من العبور والعودة إلى وطنهم. وبدلا من الدخول مباشرة عن طريق محطة رفح بين مصر وقطاع غزة, نقلوا على متن حافلات من مصر عبر الأراضي الإسرائيلية نحو ممر "ايريز" بين إسرائيل وشمال من غزة.