©BRCS/ICRC/sd-e-01246
قريضة, دارفور: مركز التغذية التابع للصليب الأحمر يرمي إلى إبقاء الأطفال الصغار على قيد الحياة وبصحة وعافية.
لم يكن عبد الله علي مسلحاً بأكثر من لوح للكتابة وعصا من الخيزران وهو يساعد في إبقاء الأطفال على قيد الحياة في جنوب دارفور بينما يتجمع حول بلدة قريضة النائية أكثر من مائة ألف شخص, معظمهم من النساء والأطفال, نزحوا إلى مخيم مترب يعج بالنفايات.
وزاد عدد ساكني المخيم إلى ثمانية أمثاله منذ إقامته قبل ثلاثين شهراً حيث راح يتدفق من الأحراش بانتظام سيل من الناس فراراً من الاشتباكات المسلحة. أما الآن فقد ثبت العدد ولكن شبح الظروف التي تتهدد ظروف الحياة مثل سوء التغذية يضيق الخناق باستمرار على أطفال المخيم.
إن عبد الله يعرف الكثير بالفعل. فهذا الشاب الوسيم الطويل ذو الثلاثين عاماً هو أب وقد نزح جراء العنف.
يشرح عبد الله قائلاً: "أعيش في هذا المخيم مع زوجتي وأطفالي الثلاثة وجميعهم دون الخامسة." ويضيف: "نحن هنا منذ نحو ثلاثة أعوام. والحياة هنا مختلفة عن تلك التي كنا نحياها في ديارنا. كنا آنذاك سعداء لأنه كان من السهل العثور على عمل وكنا نملك حرية التنقل, والآن صار التنقل مقيداً."
الخوف من التعرض لهجمات
يشارك الكثير من أبناء المخيم عبد الله مشاعره. ولكن الخوف من وقوع المزيد من الهجمات يبقيهم مختبئين في خيام بلاستيكية في قيظ السودان اللافح.
وقرر والدا عبد الله في الآونة الأخيرة مغادرة المخيم سعياً وراء حياة جديدة في مكان آخر. ويقول عبد الله إن من غير الآمن على الإطلاق بالنسبة لهما أن يعودا إلى قريته الأم. وفي الوقت الراهن سيبقى هو في مكانه لأنه وجد عملاً كمراقب تغذية في الصليب الأحمر.
ويجول عبد الله المخيم في كل يوم بحثاً عن أطفال يتهددهم خطر سوء التغذية. وبالنسبة للذين أحالهم للعلاج, فهو يتابع مدى تطور حالتهم.
ومن بين الأطفال الذين أحالهم للعلاج شيماء أحمد ابنة العامين التي أنهكها المرض, وتلك كانت أول حالة يتابعها عبد الله في منزلها اليوم. وقد أدخلت شيماء في برنامج تغذية علاجي تديره فرق تابعة للصليب الأحمر البريطاني والأسترالي في المخيم.
معجون الفول السوداني
تستمع حواء والدة شيماء بحرص فيما يذكرها عبد الله بأنه إذا ما كان لشيماء أن تشفى, فعليها أن تواصل أكل معجون الفول السوداني المغذي الذي أعطي لها. وعلى لوح الكتابة الذي يحمله عبد الله هناك قائمة من النقاط التي يتعين عليه التأكد منها وتكشف عما إذا كانت شيماء قد أصيبت بمضاعفات صحية.
ويتابع عبد الله أيضاً سجلات الحضور في مراكز التغذية. وليس من غير الشائع أن تغادر الأمهات المخيم لفترات قد تستغرق ساعات في بعض الأحيان بحثاً عن الخشب والعشب. ويُترك الأطفال بمفردهم وكثيراً ما تفوت مواعيد الرعاية الصحية. وفي ظل ثقافة تقوم النساء فيها بمثل هذا العمل فإنه لا يوجد بديل عن ذلك.
ويتم عبد الله زيارته المنزلية بتدوين ملاحظة عن مدى تطور حالة شيماء على الجدول الذي يحمله وبتذكير حواء بالحرص على النظافة وفطام البنت. فغياب الاهتمام هنا يضاف إلى خطورة سوء التغذية.
وينتقل عبد الله لقياس الطول ومحيط الذراع عند الأطفال الآخرين في الحي. ويستخدم عصاه التي عليها تدريج يشير إلى الأطوال المختلفة, وبمقدوره رصد حالات سوء التغذية المحتملة ويحيلها على الفور إلى مركز التغذية التابع للصليب الأحمر من أجل العلاج.
إبقاء سوء التغذية قيد السيطرة
هذا النوع من الخروج للعمل الوقائي المدعوم بثلاث عيادات فرعية صغيرة منتشرة في أنحاء المخيم الواسع يساعد الصليب الأحمر على إبقاء معدلات سوء التغذية قيد السيطرة, ولولاه لكانت المعدلات هائلة. وهناك 69 مراقب تغذية مثل عبد الله يراقبون نحو 21 ألف طفل دون الخامسة من عمرهم في المخيم.
واعتادت النساء على أخذ أطفالهن المرضى إلى معالج تقليدي يتقاضى أجراً ويحدث خدشاً في منطقة الحنجرة عند الطفل بعصا حادة ليجعلها تنزف. ومن المعتقد على نطاق واسع أن هذا العلاج ناجع في حالات سوء التغذية. ولكن في واقع الأمر فإنه يفضي إلى الموت.
كانت نوال محمد البالغة من العمر 18 شهراً, والتي تعاني سوء التغذية, تتلقى معجون الفول السوداني مثل شيماء. ولكن قبل نحو أسبوع اتخذت الأمور منعطفاً مثيراً للقلق حينما أحجمت عن تناول الطعام. فأحضرتها أمها 'أم برام', 25 عاماً, مباشرة إلى مركز التغذية طلباً للمساعدة.
وتقول الممرضة 'بيني كونلي' العاملة في الصليب الأحمر إن حياة نوال على المحك, "فمنذ فبراير/شباط ونوال تفقد وزناً بانتظام". وتضيف: "لقد انخفض وزنها إلى ستة كيلوغرامات الآن وهي ترفض الأكل والشرب".
وتتابع الممرضة: "إن ذلك يثير مخاوف حقيقية لأنها لا تعاني الملاريا ولا يوجد لديها ديدان, وهما احتمالان قد يفسران المشكلة. ونحن نبذل قصارى جهدنا لتشجيعها على الشرب ولا سيما الحليب المدعم بالتركيبة المغذية, ولكن في الوقت الراهن فنحن نضطر لتغذيتها من خلال أنبوب في الأنف."
المستشفى هو الملاذ الأخير
إذا لم تتحسن الأمور فإنه يتعين إحالة الطفل إلى أقرب مستشفى- وهذه رحلة شاقة تستغرق خمس ساعات بالسيارة نحو الشمال, وهو ما تدرك 'بيني' أنه يجب أن يكون الملاذ الأخير.
واعتادت النساء على أخذ أطفالهن المرضى إلى معالج تقليدي يتقاضى أجراً ويحدث خدشاً في منطقة الحنجرة عند الطفل بعصا حادة ليجعلها تنزف. ومن المعتقد على نطاق واسع أن هذا العلاج ناجع في حالات سوء التغذية. ولكن في واقع الأمر فإنه يفضي إلى الموت.
وما زالت والدة نوال تضع ثقتها بالممرضة 'بيني'. وتقول: "نريد أن يساعدنا الصليب الأحمر ويطعمنا, وآمل أن تستعيد طفلتي صحتها من جديد. أريد العودة إلى بيتي, إلى قريتي ـ فهي تبعد مسيرة يوم على عربة يجرها حمار."
هذا هو ما يريده الجميع في المخيم. ولكن حتى إيجاد حل لمحنتهم, فإن العائلات في مختلف أنحاء دارفور ستظل تعتمد على المساعدة التي تنقذ الحياة والتي يقدمها الصليب الأحمر.