لكن أكثر ما يقض مضجع الناس في خضم هذا الكم الهائل من النازحين ليس الأحوال الجوية بقدر ما هو توفر الغذاء. و توافينا "جيسيكا باري", مندوبة اللجنة الدولية بتقرير من قلب المخيم حيث قيم القرابة متقدة وجيدة.
يلف الأشخاص الذين يجازفون بالخروج من خيامهم أياديهم حول أجسامهم التماسا للدفء, بيد أن معظمهم يلزم خيامهم حتى تنشر الشمس أشعتها الدافئة وتدب الحياة في المخيم ببطء في حوالي الساعة العاشرة صباحا. و خلال زيارة قمنا بها مؤخرا للمخيم صباح أحد الأيام, لم يكن بمقدورنا أن نرى سوى مجموعة من الأطفال يندفعون لمشاهدة حفل مدرسي, متجشمين قشعريرة البرد.
ويمثل الغذاء في الوقت الراهن مصدر قلق أكثر من الأحوال الجوية. فمنذ الانسحاب الواسع النطاق لعمال الإغاثة من قريضة عقب الهجمات التي تعرض لها مجمعهم في ديسمبر/ كانون الأول الماضي, مافتئ سكان المخيم يتساءلون عن اليوم الذي سيتلقون فيه حصصهم الغذائية.
وعندما رحلت الوكالات الأخرى, أضحت اللجنة الدولية بموظفيها الدوليين الثمانية وموظفيها المحليين البالغ عددهم أكثر من 200 , المنظمة الوحيدة التي لازال لديها موظفون أجانب في الميدان.
لقد نفد معظم مخزون السكان من المواد الغذائية تقريبا, وسيكون لزاما عليهم أن يقتصدوا في ما تبقى لهم حتى عملية التوزيع المقبلة. وخير دليل على ذلك ما قاله صاحب طاحونة في المخيم عن تضاؤل عمله: "لا يقدم الناس على طحن إلا القليل من الحبوب"; ويستطرد قائلا: "في الماضي كانوا يأتون بأربعة كيلوغرامات من السرغو م أما الآن فإنهم يأتون لي بنصف تلك الكمية. وهم يطلبون إمكانية الدفع في وقت لاحق. والأمر لم يكن قط على هذا المنوال من قبل".
©ICRC/J. Barry
عبد الله مكي يزور المخيم يوميا لتفقد الحالة الصحية للأطفال.
آليات تذليل المشاكل
جرت العادة على أن تبيع الأسر جزءا من حصصها الغذائية بغية الحصول على المال لشراء سلع ضرورية أخرى. وقد جاءت كلمات صاحب الطاحونة لتذكرنا بقوة كيف أن انهيار أحد آليات التصدي للمشاكل يمكن أن يكون له أثر تعاقبي على الآليات الأخرى.
وترددت صدى أفكار صاحب الطاحونة على لسان نساء تبيعن وجبات خفيفة في السوق بالقرب منه. وقد قالت إحداهن مشيرة إلى مجموعة مكونة من حوالي عشرين كعكة صغيرة مسطحة الشكل موضوعة على صينية كبيرة فضية اللون "عادة أصنع ضعف هذا العدد".
مراقبو التغذية : فريق متنامي وفعال
فهم آليات كيفية بقاء النازحين على قيد الحياة في المخيم جزء لا غنى عنه من العمل الذي يضطلع به فريق من مراقبي التغذية التابع للجنة الدولية. وقد ازداد عدد الفريق الأصلي الذي كان قوامه 39 شخصا تم اختيارهم من بين سكان المخيم ـ ليصل إلى 69 شخصا من بينهم 13 امرأة منذ بداية العمل عام 2005. ويتمثل الدور الذي يأخذونه على عاتقهم في المخيم في فحص الأطفال لرصد سوء التغذية وتبليغ أمهاتهم أو ولي أمرهم رسائل تتعلق بالصحة والنظافة الصحية. وتعلق لويز برومهيد وهي مندوبة اللجنة المسؤولة عن فريق الاتصال قائلة "إنهم أعيننا و آذاننا. ولكونهم يعيشون في المخيم, فإن لهم صلة مباشرة بالأسر ويعرفون كل واحد".
ويتلقى كل مراقب تدريبا تطبيقيا ونظريا يستغرق شهرا قبل الشروع في زيارة الأسر. كما يؤدي موظفان تابعان للجنة في الميدان يشرفان على الأنشطة اليومية دورا يكتسي أهمية بالغة.
ويزور مراقبو التغذية كل يوم قرابة 25 منزلا لفحص الأطفال الذين يعانون من قلة الوزن المسجلين في برامج التغذية التكميلية والعلاجية التي تديرها اللجنة الدولية من خلال جمعيتي الصليب الأحمر البريطاني والأسترالي. ويتولون أيضا متابعة البرنامج المعني بالمتخلفين عن الاستفادة منه ويروجون لمسألة النظافة الصحية. ويحيلون المرضى من الأطفال على عيادة الرعاية الصحية الأساسية التابعة للجنة الدولية, ويسدون عامة النصح للأمهات بشأن رفاه الطفل وتربيته تربية جيدة. وخلال حملات التلقيح التي نظمت في الآونة الأخيرة, عمد مراقبو التغذية إلى تثقيف الناس في المجال الصحي باستخدام الدراما ولعب الأدوار.
وبمجرد ما أن نشرت الشمس رداءها الدافئ, انطلق عبد الله مكي البالغ من العمر 33 سنة في جولته حول المنازل مسلحا بعصا من الخيزران تستخدم للقياس وحقيبة سوداء اللون من القماش تحوي لوحة مشبكية وقلم حبر واستمارات تغذية. ويكفي النظر إليه في وقت لاحق وهو يقيس سواعد صغيرة لأطفال بدا عليهم الإهمال, ويضغط بإبهامه بدقة على قمة أقدامهم بحثا عن علامات منذرة بالإصابة بأورام لكي ندرك طبيعة عمله الذي ينطوي على العناية بالآخرين. وحينما يتجاذب أطراف الحديث مع كل أم على حدة لبضع لحظات, يشرح لها كيفية التقليل إلى أدنى حد من المخاطر الصحية عن طريق كنس البيوت, وتغطية الطعام, وغسل الأيدي مرارا وتكرارا.
©ICRC/J. Barry
يفحص كل طفل دون الخامسة بصورة منتظمة بحثا عن مؤشرات سوء التغذية.
وتكتسي المياه النظيفة والطعام والنظافة الصحية الملائمة أهمية حيوية إذا أريد للنازحين أن يتمتعوا بصحة جيدة. وتتيح آبار المخيم الستة ما يكفي من الماء لكل واحد لكنها بحاجة إلى الصيانة. والمولدات التي تدير المضخات تحتاج إلى الوقود. وما فتئى مهندسو المياه التابعون للجنة الدولية يحافظون على تشغيلها منذ أن تركت وكالات الإغاثة قريضة في منتصف شهر ديسمبر/ كانون الأول.
القرابة مفتاح الفرج
يعكف النازحون أنفسهم أيضا على التأقلم مع الواقع الجديد السائد في المخيم باستخدام قيم القرابة التقليدية ودعم المجتمع المحلي لمساعدة بعضهم بعضا على تذليل الصعاب. فصاحب الطاحونة, على سبيل الذكر, يطحن الحبوب بالمجان لأشد الأسر فقرا. و أباكر آدم وهو خياط من قرية قريبة من جوغانة, وهي منطقة تعرضت في الربيع المنصرم لهجوم تمخض عنه تدفق كبير لأسر إضافية على قريضة, عمد إلى تخفيض أسعاره. وأشار قائلا: "إنني أخيط الملابس منذ 25 سنة. عادة أطلب حوالي 300 دينار سوداني (ما يعادل 1.5 دولار أمريكي) لكي أخيط فستانا, لكن هنا لا أطلب سوى 100 دينار فقط. والآن إذا كانت المرأة فقيرة, أخيط لها كل ما تريد بالمجان ".